التّعصب الرياضي وخصوصا في كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى حول العالم، يتسبب في اتساع الهُوة والشّرخ بين الأصحاب والزملاء، بل إنه يقسم البيوت إلى نصفين ويفرّق الآباء والأبناء، وقد يسهم في القطِيعة بين العائلات.

ذات مرة كنت في منزل أحد الأصحاب، وهو مشجع متعصب لنادٍ بالدوري الممتاز في ليبيا، قال لي بالحرف الواحد وبكل ثقة، إنّ له ثلاثُ بنات لم يزوّج أيًّا منهنَّ لعريس يشجع الغريم التقليدي؛ أَإلى هذه الدرجة وصل بنا الحال، قلت في نفسي هذا الرجل ناهز عمره خمسين سنة ووصل به التعصب لهذا الحد؛ فكيف نعتب على الجيل الجديد.

التعصب المقيت الذي تعيشه الكرة الليبية منذ عشرات السنين باتت بسببه المنافسة الشريفة معدومة بين اللاعبين على المستطيل الأخضر وبين المدربين على الخط الأبيض للعشب الأخضر، ناهيك عن الشتم والسب بين الجماهير في مواقع التواصل الاجتماعي. ظاهرة مسيئة للرياضة بشكل عام وصورة قبيحة عن كرة القدم المحلية بشكل خاص، وهي التي أنتجت شغب الملاعب والاشتباك بالأيدي وشتم الحكام وقذفهم بالأحجار أو التعدي عليهم بالسلاح الأبيض وتلف الممتلكات العامة والخاصة؛ فكيف السبيل للقضاء على هذه الظاهرة أو الحد من انتشارها؟ التقليل من حِدّة هذه الحالة أو محاولة تكبيلها قدر الإمكان لن يكون بين ليلة وضحاها، لكنه ليس أمراً مستحيلاً طالما وُجدت النوايا الصادقة لتطبيق القانون باعتباره الرادع الأول لقطع الطريق في وجه هذه الزُّمرة التي تجلَّت على شكل ما يُعرف محليًّا (بالزّابِيطة).

إنّ هذه الفئة يجب أن تعلم بأنّ أعمال الشّغب والعنف والاعتداء في ملاعب كرة القدم من أبشع صور الإضرار بأمن المجتمع واستقراره، إضافة إلى أنها تتسبّب في فقدان الأنشطة الرياضية لقيمتها الرائعة وخصائصها الممتعة.

الواجب الأول والأخير على مسؤولي الكرة المحلية هو تفعيل مبدأ العقاب والغرامات المالية وتطبيقها على جماهير مختلف الأندية دون محاباة أو ريبةٍ من أحد، ومنع من يتسبب في إثارة الشّغب من دخول الملاعب، وفي المقابل على روابط المشجعين أن تعيَ أنّ دورها الأول هو محاربة هذه الظاهرة لأنها تقدم صورة مسيئة عن الكرة الليبية.

في علم النفس ينقسم متابعو كرة القدم إلى قسمين، الأول هم الهواة الذين يتابعون فرقهم المفضلة لأجل المتعة فقط دون التأثر بنتيجة المباراة، أمّا النوع الآخر وهم المتعصبون فيتأثرون نفسيًّا في حالة الانتصار أو الخسارة لفريقهم. يقال بأنّ الماضي هو مرآةٌ للحاضر، ولو عدنا لماضي مشجعي كرة القدم في ليبيا لوجدنا بأنّ هناك تعصباً بقدرٍ أو بآخر في الأوساط الرياضية، ولكنه ليس بالقدر الذي نعيشه اليوم، شتمٌ وضربٌ وتعدّ وألفاظٌ نابية وشعاراتٌ لا تمتُّ للرياضة بأيّ صلة.

يبدو أنّ شُبَّان اليوم فهموا التشجيع بصورة مغلوطة والانتماء بشكل خاطئ، وما زاد الطين بلّة هو سرعة التطور التكنولوجي وظهور عصر السوشيال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي، ولعل السبب الأساسي الذي يُغذي التعصب وينمِّي هذه الظاهرة السلبية هو بعض المراكز أو المكاتب الإعلامية للأندية التي يُديرها أشخاصٌ أساؤوا لأنديتهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً، هذه الأمور وغيرها نجحت في التعبئة والحقد بين مختلف الجماهير وتغلغلت في الأوساط الرياضية وأسهمت في رسم الشكل القبيح لكرتنا المسكينة.

دائما ما كان التطرف معضلة أساسية في أي شيء، التطرف في الانتماء، التطرف في حب النادي، التطرف في كُرهِ الخصم، ولا شك أن الإفراط هو سببٌ آخر يجعل من العاطفة تتغلب على العقل فلا يبقى للمنطق مكان ولا لاحترام المنافس وتقبل الخسارة بصدر رحب موطءُ قدم.

ما دفعني لكتابة هذا المقال هو الجمهور باعتباره فاكهة التّجمعات الكروية وهو الذي يُضفِي لوناً آخر على أي تظاهرة أو حدث رياضي، وفي نظري هو اللاعب رقم واحد وليس اثني عشر. ما نراه في الكرة الليبية اليوم أو منذ زمن مضى يدعونا كأشخاص محسوبين على الرياضة والإعلام لدراسة هذه المعضلة وتحليلها واستنتاج الحلول المُثلى للحدّ منها والعمل على تلافيها ليتسنّى للأجيال المقبلة الانتماء بوعي، والتشجيع بحب قبل أي شيء آخر، فالانتصار في مباريات كرة القدم، وحصد النقاط، والفوز بالبطولات، وتسجيل الأرقام القياسية، والرضا بالخسارة شيء جميل يخلق روح التنافس الشريف ويعمل على ترسيخ مبدأ الانتماء النقي الخالي من الشوائب، والتعصب شيءٌ قبيح والقبيح يمحو الجميل.

عبد اللطيف السكير