إن صناعة رياضي كرة قدم يمتلك مواصفات الرياضي الكامل منذ النشء، يحتاج لبيئة مناسبة وأجواء مختلفة عن غيره من الأعمار الأخرى؛ كيفية احتواء اليافعين، واكتشاف ما يلمع من أقدامهم وصقلها، ووضعها على القاطرة الصحيحة، والدفع بها نحو المقدمة؛ لهو أمرٌ صعب حتما، فالناشئ ينقصه الوعي والإدراك، وهو ما لا يتأتَّى إلا بوجود مدرب يُتقن أن يكون مربِّياً فاضلًا قبل أن يكون فنيا على مستوى عالٍ.

ظاهرة المدارس الخاصة والأكاديميات الرياضية في بلادنا آخذة في الانتشار، فلا تكاد تمر أشهر معدودة إلا ونسمع عن ظهور وإشهار مدرسة خاصة أو أكاديمية جديدة في مختلف المدن والمناطق، مسمّيات مختلفة ومدربون محليون وآخرون من خارج الحدود، لكن يا ترى هل يتم تطبيق المعايير السليمة في تنشئة لاعب كرة القدم من الألف إلى الياء؟ وهل يتم الأخذ بالاعتبار التطور التكتيكي الطارئ على اللعبة في العالم؟ بعض هذه المدارس اعتبرت اللاعب سلعة تُباع وتشترى ويُجنَى منها الربح الوفير، أي أن النظرة لكرة القدم باتت مادية بحتة وليست فنية، بل إن هناك مدارس وأكاديميات اختارت أسماء لأندية أوروبية مشهورة لغرض استقطاب أكبر عدد ممكن من اللاعبين، مع أن بعض هذه الأكاديميات والمدارس لا تمتلك مسوغا قانونيا أو رخصا لمزاولة المهنة، زد على ذلك افتقارها لمدربين من ذوي الخبرة الكافية.

بعض المدارس الأخرى عكس ذلك تماماً، آثرت الاهتمام بالناشئ ولم تنظر للمال بقدر ما نظرت لكيفية الوصول باليافع من أسفل السلم إلى أعلاه، فمثلاً مدرسة البداية مصراتة نجحت في تأهيل وصقل عدد من الرياضيين وأوصلتهم إلى اللعب في الأندية المحلية، وحتى ارتداء قميص المنتخب الوطني، لكن هناك سؤالا محيرا؛ لماذا لا نرى النجاح يصبح بشكل أكبر وبصورة دائمة، ولماذا لا تصبح المنافسة على مسارات أخرى غير إشهار المدارس وتكديس الرياضيين وجني الأموال والتباهي في الإعلام والميديا، وأيضا هل يمتلك المديرون الفنيون بهذه المدارس التأهيل اللازم من الناحية الأكاديمية والتربوية لإعطاء دروس في كرة القدم؟ وهل سيأتي يوم وتتم محاسبة بعض المدربين على نظرتهم للاعب على أنه عبارة عن مبلغ من المال في نهاية الشهر؟ أسئلة عديدة ومحيرة لظاهرة وجب تسليط الضوء عليها بشكل أكبر بمهنية وإنصاف دون ريبة من أحد أو خشية من المدرب فلان أو المدرب علان، فكما أشرت سابقا الرياضي الناشئ يختلف عن بقية أقرانه في الفئات العمرية الأخرى.

إن هذه الحالة لم تعد مجرد ظاهرة في بلادنا، بل إنها صنعت سوق عمل للاعبين القدامى وغير القدامى، يسيل لها لعاب أصحاب الأموال، وأصبحت أشبه بالاستثمار لإغراء أولياء الأمور من أجل جني القدر الأكبر من المال، وهذا ما سيعود مستقبلا بالفشل والضرر على الكرة الليبية التي تحتاج لضخ دماء جديدة واستكشاف اليافعين وصقل مواهبهم بالتجربة على يد خبراء فنيين يمتلكون شهادات التدريب ومشهود لهم بالكفاءة وحسن التعامل مع الناشئين أو من هم في عمر الزهور.

عبد اللطيف السكير