ألحقت القوات الموالية لحكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا، خسائر فادحة بقوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، وتمكنت من تحرير الغرب الليبي بشكل شبه كامل. 

قوات حفتر والأطراف الداعمة لها، لم تعترف بالهزيمة بشكل مباشر، فذهبت إلى طرح مبادرة للحل السياسي من القاهرة، اعتبرها الليبيون والمراقبون محاولة لتجاوز الاتفاق السياسي الموقع عليه في مدينة الصخيرات المغربية نهاية العام 2015..

كيف ينظر الإسلاميون الليبيون لهذه التطورات العسكرية والسياسية في بلادهم؟ وما هي رؤيتهم للحل في ليبيا؟ وأين يقفون في المشهد السياسي المحلي والإقليمي المتعلق ببلادهم؟

هذه الأسئلة وغيرها هي محور هذا اللقاء الخاص، الذي أجرته “عربي21” مع رئيس حزب العدالة والبناء الليبي، محمد صوان، فكانت هذه آراؤه: 

1 ـ ما هي قراءتك للتطورات العسكرية في غرب ليبيا ودلالتها السياسية المباشرة؟


 ـ لقد انتهى وجود مليشيات حفتر في غرب ليبيا، وتم طردها تاركة خلفها الخراب والدمار في المناطق التي حلت بها، وقامت بزرع الألغام في بيوت الناس، وإلى الآن تمكنت الفرق المختصة من إزالة أكثر من ألفي لغم من بيوت الناس ومزارعهم، بعد أن تسببت في إزهاق أرواح كثير من العائلات العائدة لبيوتها، وهو ما ينبغي تقديمه لجهات الاختصاص لملاحقة حفتر قضائيا.

لقد شاهد العالم بالصوت والصورة أرتالا من قوات المرتزقة الروس فاغنر، وهم يغادرون مهزومين وغيرهم من المرتزقة.

انسحبت مليشيات حفتر إلى قاعدة الجفرة حوالي 500 كم شرقا، وهو إعلان فشل عدوان حفتر الذي انطلق في 4 نيسان (أبريل) 2019 من القاعدة نفسها، والحصيلة هي الخراب والدمار وإزهاق أرواح الليبيين والهزيمة النكراء لحفتر.

أما دلالاتها السياسية، فقد اتضحت في محاولات الدول الداعمة لحفتر وهي تتمسح بالحل السياسي للتخفيف من نتائج الهزيمة، وأنه لا حل عسكري والعودة إلى الحوار وتنفيذ مقترح 5+5 وهو خمسة ضباط من حفتر وخمسة من الوفاق، وهو مقترح قديم للاتفاق على فك الاشتباك. فما هو محل هذه الدعوة بعد أن انهزم حفتر وتراجع مئات الكيلومترات؟ طبعا هي محاولة من هذه الدول لإنعاش حفتر وإظهاره بأنه لا يزال قويا.

والأكثر إثارة للسخرية، هو ما قامت به السلطات المصرية من القاهرة بطرح مبادرة من خلال مؤتمر صحفي جمع السيسي وحفتر وعقيلة صالح، وما كان أحد يتصور أن تقدم الدبلوماسية المصرية بخبراتها على هذا العمل، الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من عوامل النجاح.
 
فمصر طرف رسمي وأساسي ومتورط في الصراع، ومن دخل طرفا لا يصلح وسيطا. ثم إنها لم تحضر الطرف الآخر، وهذا غير مقبول حتى من وسيط محايد. 

أضف إلى ذلك وجود حفتر وعقيلة بجانب السيسي في أثناء طرح المبادرة، الأمر الذي يقلل من قيمة هذه المبادرة وحياديتها، فلو أن مصر قدمت شخصيات ورموزا سياسية واجتماعية وعسكرية أخرى من الشرق، ربما يقبل.

ثم إن التوقيت السياسي غير مناسب، فالمهزوم لا يملي شروطا ولا يقدم مبادرات، بل ممكن أن تقدم له شروطا ينفذها مقابل عدم ملاحقته أو إشراكه بسقف تفاوضي هابط.

س ـ طالما أنك ذكرت المبادرة المصرية، فما رأيك في مضمونها؟


 ـ هي تعبر عن موقف مصر وحفتر وعقيلة من رفضهم جميعا لاتفاق الصخيرات، وقد عملوا على إفشاله، ولذلك فالمبادرة لا تنطلق من اتفاق الصخيرات مما يجعلها فاشلة ومغرضة. 
 
ونحن ندرك أن الغرض من رفض اتفاق الصخيرات، هو التخلص من المجلس الأعلى للدولة كشريك؛ لأنه يمثل تيار الثورة الحقيقي بكل أطيافه، ولا يقوم على أساس قبلي أو جهوي، ولا يمكن توجيه القرار داخله.

وأيضا؛ لأن به أكبر كتلة سياسية لا زالت متماسكة تمثل حزب العدالة والبناء، كان له دور كبير في كل المحطات السياسية السابقة، وتيار الثورة العريض الواسع للأسف ليس له قيادة أو كتلة صلبة ولم تتشكل أحزاب وكتل قوية داخله، ولذلك فإن إقصاء المجلس الأعلى للدولة أو حزب العدالة، يفسح الطريق لتمرير أي تسوية قد لا تكون في صالح المسار السياسي الديمقراطي، وهذا ما أشار إليه عقيلة أيضا عندما قال: على الأحزاب أن تتراجع الآن، وهو بذلك يقصد العدالة لأن الجميع يعلم بأنه لا توجد أحزاب أخرى فاعلة في ليبيا الآن.

وللأسف، يجب أن ينتبه كثير من أنصار تيار الثورة إلى هذه النقطة، لأن بعضهم بدوافع الخصومة السياسية التي ليس وقتها الآن، قد يروق له ذلك ويطربون لإقصاء حزب العدالة، بل ويكيلون له الاتهامات.

ثم إن ما طرحه عقيلة من أفكار تعود بليبيا إلى ما قبل الدولة، فهو يتكلم عن أقاليم ثلاثة كل إقليم يفرز من يمثله. للأسف منطق متخلف قبلي جهوي لا يطرح آليات أو معايير، بل يعطي الفرصة لاختيار البعثة أو غيرها لأفراد من كل الأقاليم ليس بينهم رابط أو مشروع، وبذلك يسهل تمرير أي طبخة.

س ـ هل ترى أن مشروع حفتر انتهى بعد طرده من الغرب الليبي؟ وما هو مستقبل التسوية السياسية ؟


 ـ انتهى من حيث بدأ، فهو تقريبا رجع إلى نقطة الصفر التي انطلق منها، ولكن الدول الداعمة له تحاول أن تتدارك الوضع وتبقيه على طاولة المفاوضات التي خرقها في عدوانه 4 نيسان (أبريل)2019، قبل موعد انطلاق حوار غدامس المزمع عقدة في 14 من الشهر نفسه، وبذلك ومن هذا المنطلق، عرضت القاهرة هذه المبادرة الهزيلة سيئة الإخراج.

طال الزمن أو قصر، لا بد أن يجلس الليبيون بعضهم مع بعض، دون إقصاء لأي طرف ويتوافقون على خارطة طريق تخرجهم من الأزمة، ونحن ندعو الأصوات السياسية العاقلة في الشرق الليبي أن تتقدم وتعلن عن نفسها، وإذا اتفقنا على رفض المشروع العسكري والاستبدادي، فإن كل القضايا الأخرى قابلة للحل والتفاهم والتنازل.
 
وفي تقديري أنه لا غنى عن رعاية بعثة الأمم المتحدة لهذا الحوار، بعيدا عن الاستقطاب الذي سوف يحصل إذا كان برعاية أي دولة أخرى، وأن يكون ذلك في إطار الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات.

س ـ هناك حديث عن أن من استطاع صد مليشيات حفتر، هي قوات مصراتة العسكرية، هل هذا يعني أن العملية التي جرت لم تكن بإدارة حكومة الوفاق؟


 ـ لا شك أن مدينة مصراتة لها ثقل سكاني كبير وعسكري بسبب ما فرض عليها من حروب ابتداء من حروب التحرير ضد القذافي. لا أحد يدعي أن ليبيا فيها جيش نظامي متكامل ومهيكل وحالة السيولة تعم كل مؤسسات الدولة.

ولكن في العموم، الحرب تدار من الجهات الرسمية، وحسب التراتبية مع وجود القوات المساندة من كل المدن الليبية وبنسب متفاوتة، فغرفة العمليات يقودها اللواء أسامة جويلي، وليبيا مقسمة إلى مناطق عسكرية يقودها ضباط، والدعم والتسليح والتمويل والأوامر تصدر بشكل رسمي مثل ما هو متعارف عليه. ربما بعض المقاتلين لديهم ملاحظات حول اتفاق الصخيرات أو العملية السياسية، ولكن هجوم حفتر ورفض العسكرة وحّد الجميع تحت حكومة الوفاق.

س ـ ماذا بعد هذه الخطوات العسكرية، ما هي الخطوة التي تليها؟ أي هل الحل العسكري بديل عن الحل السياسي؟


 ـ نحن كنا نستعد للملتقى الجامع بين كل الأطراف الليبية في غدامس لإيجاد حل سياسي برعاية الأمم المتحدة، ولكن حفتر استبق اللقاء بعشرة أيام لفرض مشروعة العسكري بالقوة ولم يبق أمامنا إلا المواجهة. فنحن لم نُزِل القذافي لنقبل بديكتاتور بدلا منه، وسوف نستمر إلى أن يهزم هذا المشروع، وبعد ذلك يفسح المجال أمام الليبيين للحل السياسي كما يختاره الليبيون، لا أن يفرض عليهم.

س ـ بعد هذه الحرب الشرسة ضد قوات حفتر، هل ترى أنه طرف يمكن الوثوق به في أي حل سياسي مرتقب؟


 ـ الليبيون لا يرون في حفتر شريكا في السلام؛ لأنه اختار الحرب حلا وحيدا وأثخن في دماء الليبيين، ودمر المدن وشرد وهجر مئات الآلاف من الناس، ومزق النسيج الاجتماعي ولم يترك مجالا للقبول به.

س ـ ماذا عن الموقف الدولي من التطورات الأخيرة ومن الأفق السياسي للحل في ليبيا؟


 ـ بكل وضوح، نحن لم نكن نواجه حفتر بل نواجه تحالفا دوليا بعضه معلن كمصر والإمارات والسعودية والأردن وفرنسا وروسيا، والآخر خفي أو سلبي مثل بعض دول الجوار، باستثناء تركيا وقطر، لم يقف أحد مع الشعب الليبي. 

وليس من المنطق ادعاء الحياد في مثل الحالة الليبية، فهو عدوان على دولة وحكومة معترف بها وعضو في الأمم المتحدة. 

أما التطورات الأخيرة بعد بوادر هزيمة حفتر وعجزه عن تحقيق أي تقدم، فقد بدأت مواقف بعض الدول في التحول الإيجابي لصالح دعم حكومة الوفاق، والفضل في ذلك يرجع لشجاعة الشعب الليبي وبسالته وتضحياته. 

أما عن الأفق السياسي للحل، فإن الوضع لا زال ضبابيا حتى الآن. وعلى الرغم من هزيمة حفتر في الغرب الليبي، إلا أنه لا زال يحظى بالدعم من محور الشر ويسيطر على مدن الشرق، الأمر الذي فتح المجال للتدخلات المباشرة في ليبيا خارج إطار أي اتفاق، مثل وجود القوات الروسية علنا، الأمر الذي قد يجعل من ليبيا ساحة صراع مباشر بين بعض الأطراف أو استمرار حالة الصراع بالوكالة، وهذا ما نخشاه.

من الممكن أن تدعو الأمم المتحدة إلى استئناف الحوار السياسي بين الأطراف الليبية إذا تراجعت العمليات العسكرية، وهذا ما نتوقعه، لكن المشكلة هي أنه لا يوجد شريك حقيقي حتى الآن يملك إرادته ويمكن الجلوس معه والوصول إلى حل، فالطرف الآخر سواء حفتر أو عقيلة مسلوبو الإرادة من مصر والإمارات خاصة، وهم قد تورطوا في دماء الليبيين بشكل مفرط، وهذه الدول تعادي أي تحول سياسي من الممكن أن يفضي إلى نظام سياسي ديمقراطي.

ومع ذلك، نرجو أن تتحرك القوى السياسية والمجتمعية في المدن التي غرر بها حفتر خاصة الشرق الليبي، ويجلسوا مباشرة مع إخوانهم الليبيين ولكن ليس خلف حفتر. وإذا فعلوا ذلك، فإنه في تقديري سوف تقدم لهم كل التنازلات الممكنة بطيب خاطر، وسوف نصل إلى حلول للأزمة.