سنوات من الصراع والموجات المتوالية للثورة المضادة بعد الانكسار الذي حدث للربيع العربي مبكرا، وبعد أن أفصحت الشعوب عن طموحاتها في الحرية الكاملة وخياراتها على خلاف ما كان مخططا له من السماح لهذه الشعوب بالحد الأدنى من الحرية وحقوق الإنسان والرخاء في إطار استيعاب تنامي موجة العنف وكراهية الغرب في دول العالم الثالث.

اتخذت الثورة المضادة تمظهرات شتى حسب الظروف، متخفّيةً تحت شعارات مختلفة، ولكن الهدف هو مقاومة التغيير وعرقلة نجاح أي نموذج ديموقراطي، ولأمر ما كانت ليبيا نموذجا غنيا وواضحا لحدة الصراع بكل أشكاله السياسية والعسكرية والتدخلات الإقليمية والدولية، ولا زال يتصاعد ويتشعب تراكميا ولا نكاد نواجه موجة وتنتصر عليها إرادة الشعب الليبي، حتى تظهر أخرى وتأخذ شكلا آخر ومكرا جديدا، والهدف دائما واحد، هو إجهاض الثورة وانحرافها.

وفي كل محطة تسقط مزيد من الأقنعة، وتتباين الصفوف، ويضعف ويتعب البعض من طول الطريق، ويركن أحيانا ويحن إلى عودة الاستبداد زمن استقرار القطيع، ويعجز البعض عن إيجاد تفسير لتعقيد المشهد وغموضه، ولما يحاك من مؤامرات، فيلجأ إلى تفسيرات سطحية أسوأ ما فيها التخوين والاتهامات الرخيصة التي تطال غالبا العاملين والمجتهدين الذين يتصدون لهذا المكر المتشعب، ولا يصل شيء من هذه الاتهامات طبعا إلى القاعدين والمتفرجين والعاجزين؛ لأنهم ببساطة لا يعملون، ويتخذ البعض منها شماعات لعلها تخفف عنه ما يشعر به من عجز وإحباط وصراع داخلي.

نعم، إنها معارك متوالية وطويلة ومتشعبة شاركت فيها شرائح واسعة من الليبيين من شتى المجالات: “فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ? وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ? كَذَ?لِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ? فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ? وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ? كَذَ?لِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ”.. ويأتي في مقدمة هؤلاء، الشهداء الذين رويت بدمائهم أرض المعارك، وإلى تضحيات الجرحى، وتضحيات أسرهم جميعا.

ويعود هذا النصر أيضا إلى جهاد الحرائر اللواتي يحتضن جثامين الآباء والأبناء والأزواج، ويستقبلن أخبار المصائب بالصبر والدعاء، وإلى دعوات النازحين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أنهم رفضوا الظلم والاستكانة والخنوع.

كما يعود ثم إلى الساسة الذين بذلوا الوسع وسخروا وقتهم وجهدهم لاستبانة سبيل المجرمين وكشف مخططاتهم وإحباطها، والمناورة بما وسعهم من اجتهادات لتفويت الفرصة وكسب النقاط، فهو ميدان لا ضربة قاضية فيه بل هي النقاط والتدافع، وهو ميدان شائك يسهل فيه الكلام، والبعض يراقب شريط الأحداث ويتفرج على المنخرطين في هذا الصراع السياسي المرير وهم يجتهدون ما وسعهم، ثم يخرج من حين إلى آخر عندما تنكشف الأمور ليستل الأحداث والمواقف والتصريحات من سياقها الزمني وظروفها الموضوعية ويمارس الأستاذية الزائفة مدعيا الحكمة بتاريخ رجعي (حزب مش قلنالكم)، انتبهوا لهؤلاء.

فلا قيمة للبندقية التي لا يوجهها ويقودها عقل، والتاريخ شاهد كيف سرقت تضحيات الشعوب بسبب غياب الواجهة السياسية التي تترجم التضحيات وتحفظ دماء الشهداء فلا تذهب هباء.

وكذلك، تعود الانتصارات لوسائل الإعلام والإعلاميين المنصفين الذين وقفوا بالكلمة من خلال منابرهم ووسائل التواصل بتجرد وموضوعية، وإلى رجال الأعمال الذين أنفقوا من أموالهم.

وإلى شباب ليبيا الذين ضربوا مثالا في الشجاعة والتضحية، إلى المعلمين والأساتذة في المدارس، والأطباء وكل الشرائح التي ساهمت رغم كل الظروف والإحباطات، ولا زالت تخرج بمئات الآلاف كل عام احتفالا بذكرى ثورة الحرية.

إلى الدول الشقيقة والصديقة التي وقفت معنا دون قيد أو شرط.

إلى آخرين لا نعلمهم ولكن الله يعلمهم.

هؤلاء جميعا هم من يصنع النصر ويبني مستقبل هذا الوطن.

إذًا الانتصارات ومواجهة الثورة المضادة ميدان واسع يستوعب الجميع وبحاجة إلى وقت طويل وجهد كل هؤلاء ووحدتهم.

وقد تعالت خلال الفترة الأخيرة أصوات فاتها إدراك أهمية تظافر هذه الجهود، تنظر نظرة أحادية تفتقر إلى الشمول، ولا ترى أن من يحمل البندقية يحتاج إلى غطاء سياسي وواجهة سياسية، ويحتاج إلى الأموال والسلاح خاصة المتطور منه، والطائرات ومنظومات الدفاعات الجوية والذخائر والدعم السياسي والعلاقات الدولية والإعلام، ناهيك عن الغذاء والعلاج وغيرها، ولذلك فهم يتسابقون لخلق معارك جانبية نحن في غنىً عنها الآن.

“ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين”.

عربي 21