هناك قناعة تتعاظم تدريجياً لدى الدول الداعمة لحفتر مفادها أن دخول طرابس أصبح مستحيلاً تقريباً ،وبالتالي تم التفكير في سيناريو آخر يُبقي معسكر الكرامة متماسكاً من أجل تحقيق مكاسب ما على طاولة المفاوضات .
ومن هنا ظهر عقيلة صالح بمبادرته السياسية المدعومة من مصر وروسيا.تحاول المبادرة ابراز عقيلة صالح كطرف مفاوض أساسي عن الشرق مع ابقاء دور أقل لحفتر .
هذا التصور المصري الروسي الجديد والداعم لعقيلة لم يروق لحفتر بالتأكيد ،كونه يحوله من اللاعب الوحيد في المنطة الشرقية الى مجرد لاعب مع آخرين ،حيث ان المتوقع بروز ادوار اخرى لبعض الفاعلين القبليين اضافة الى عقيلة أيضاً .
لذلك ومن هذا المنطلق حاول حفتر استباق الجميع بمن فيهم مؤيديه الإقليميين باعلان هذا الانقلاب العسكري .والهدف الرئيسي منه هو احراج معسكره الخارجي بمحاولة فرض امر واقع في برقة لكي يبقي على الوضعية السابقة ويقطع الطريق على محاولة تموضع عقيلة صالح الجديدة .

عقيلة وحفتر اعتقد انهما دخلا في مرحلة عض الأصابع ،وكل منهما الأن يحاول تجميع وتحشيد أنصاره لمواجهة الآخر .
ربما يكون عقيلة قد احرز تقدماً نسبياً على حفتر في هذه الجولة من الصراع ،والتي قد تفضي الى احتمالين ،الأول وهو ازدياد شعور حفتر بالاهانة وفقدان السيطرة الاجتماعية ولو جزئياً كون ما حدث هو الأول من نوعه منذ انطلاق ما يعرف بعملية الكرامة ،الأمر الذي قد يدفعه الى اللجوء الى العنف ضد عقيلة ،وهنا قد يتحول الموضوع الى اصطفاف قبلي حاد جداً (سعادي /مرابطين) سيرهق حفتر كثيراً ،و الاحتمال الثاني هو تجاهل حفتر لما حدث والتنازل عن فكرة استعمال القوة ،الامر الذي يؤدي الى تشجيع أصوات اخرى للتعبير عن رأيها مما يسهم دون شك في خلخلة البنية الأمنية والاجتماعية والدينية الداعمة لحفتر منذ 2014،كونها اعتمدت في سيطرتها المطلقة على برقة على العنف المفروط وعلى تخوين وشيطنة وتكفير كل الاصوات التي قد تُبدي نوعاً من الاختلاف رغم ندرة هذه الأصوات أصلاً .

أيضاً من المهم ملاحظة التواصلات الدولية التي أُجريت مع عقيلة والتي كاد يفقدها تماماً في الفترات الماضية ،اضافة الى ردود الافعال الدولية من انقلاب حفتر المتلفز ،حيث رفضت كل الدول المتداخلة في الشأن الليبي هذا التصرف الأحادي بالرغم من أن بعض هذا الرفض كان على مستوى محتشم جداً على سلم التعابير السياسية ،ولكن في النهاية يمكن استخلاص نتيجة واحدة وهي عدم استعداد هذه الدول لدعم هذا الإجراء .
يبقى التنويه على أن هناك فرصة لحفتر لاستعادة الزخم والمبادرة في الشرق وكذلك تشجيع الدول التي تدعمه على تقديم المزيدمن الدعم العسكري والدبلوماسي ،وذلك بأن يقوم باستعادة بعض المدن التي فقدها مثل صبراتة وصرمان والعجيلات ،او ابعاد قوات الجيش الليبي عن ترهونة و اقتحام طرابلس من إحدى محاور الجنوب أو التقدم لمحاصرة مصراتة ،وهذه كلها سيناريوهات صعبة جداً واحتمالية حدوثها ضئيلة وفقاً للمعطيات الموجودة الأن وكذلك ما يتعرض له معسكر الكرامة الداخلي من تصدعات.

صفوان المسوري