ليست المرة الأولى التي يطرح فيها عبد الله الثني مسألة خروجه من المشهد عن طريق الاستقالة من كرسيه الشكلي الحامل لاسم رئيس الحكومة الليبية المؤقتة المرتبط مدى حكمها بما يسيطر عليه سيده خليفة حفتر من رقعة جغرافية.

هو ابن السادسة والستين ربيعا تقلد منصب وزير الدفاع بحكومة علي زيدان يوم الخامس من أغسطس عام 2013 ليصير خلفا لرئيس وزرائه يوم الحادي عشر من مارس عام 2014 حينها قام المؤتمر الوطني العام بسحب الثقة من زيدان وتعيين الثني خلفا له لمدة 15 يوما حتى يتم انتخاب رئيس وزراء جديد.

مضت الأيام والسنين ولم تنته مدة نصف الشهر التي حددت للثني حتى اللحظة بيْد أنه حاول الخروج من المشهد لثلاث مرات بشكل رسمي، ولكنه لم يستطع تحصيلها، الأمر الذي يثير علامات الاستفهام العديدة جراء ذلك، ولكن النظر في عدم قبول رئيس نواب طبرق عقيلة صالح لاستقالة الثني الأخيرة من شأنه أن يزيل اللثام عن أسباب إصرار صالح ومن ورائه حفتر على بقاء الثني في كرسيه الشكلي، خصوصا في هذه الأيام التي تشهد المنطقة الشرقية مظاهرات شعبية مطالبة بتوفير الخدمات الأساسية الغائبة وبشكل كبير.

يبدو أن العقل الباطن للثني صار يبعث الإشارات لشخصه بأنه حان الوقت للابتعاد عن المشهد الذي لم يكن حاكما به قط، إنما فقط لاعب لدور الكومبرس وشماعة “للحاكم الفعلي هناك أي خليفة حفتر” يصفق لها الجمهور إن كانت السيناريوهات جميلة والنقيض بالنقيض وهو الحاصل وبقوة الآن في الشرق.

أكبر الهموم التي جعلت المظاهرات تنطلق بالشرق هو الانقطاع المستمر للكهرباء والذي يصل مداه لأكثر من 16 ساعة متواصلة كما أعلنت العامة للكهرباء “المسؤولة عن أمور الشرق الكهربائية” وانعدام السيولة بمصارف المنطقة، وهذان الأمران هما أبرز تداعيات قرار حفتر القاضي بإغلاق النفط ولا دخل للثني بالأمر، وهو ما يعلمه المتظاهرون وغيرهم ولكنهم لا يستطيعون الإقرار وقول ذلك؛ لعلمهم بالمصير المصاحب لقولهم إن فعلوا، والشاهد في ذلك من فقد روحه في مظاهرات الشرق التي قوبلت بالرصاص، فالسقف الموضوع لهم لتحميل الأخطاء الحاصلة هو الثني وما دونه.

عموما ومن بعد كل هذا صار الثني جازما اليوم بأن ورقته قد استهلكت كثيرا، وأن المصائب التي جلبها حفتر ومن معه للمنطقة صارت ثقيلة ولا يمكن لأحد تحمّل التبعات وزاد تأكيده يقينا عندما أحرق المتظاهرون بوابة مقر حكمه الشكلي، وأن الأهم من هذا وذاك متابعته للمشهد كما غيره من التلفاز الذي يعد أكبر مصدر لتحصيل معلوماته بعدم بقائه في المشهد الذي يرسمه عقيلة صالح مع غيره، وأنه وإن حدث ذلك فلا ملام من الشعب غيره ولا مدان سواه، ولذلك صار في عقله أن موعد الفراق الفعلي قد حان.

كانت هذه عقلية الثني وهنا وجب البحث عن عقلية صالح وحفتر وقبولهما لمسألة ابتعاد الثني من عدمه، والتي في الغالب سيكون الرفض في مقابلها لسببين بسيطين

أولهما: أنهما لن يجدا من يرتضي بأن يحمل صفة رئيس الحكومة الليبية غير الثني في مواقع الأخبار بينما في حقيقة الأمر ما هي إلا مجرد منشفة لأخطاء الحكام الفعليين، وكذلك لأن صالح وحفتر لن يوظفا شخصية يحبانها كالأبناء والحاشية في منصب كهذا.

ثانيهما: بخروج الثني ستبقى المساحة خالية، لربما تتوقف المظاهرات قليلا، ولكنها حتما ستعود لأن الحال لن ينصلح وحينها لن يجد المتظاهرون إلا القول الحق وتوجيه التهم لصالح أولا ومن بعده فورا خليفة حفتر.

إذا ومن بعد هذا كله سيظل الثني في مكانه يسمح بتحمل أخطاء من ارتضى العمل معهم يوما إلى حين الوصول إلى أي حل، وفي مقدمة الحلول الوصول إلى تسوية سياسية، وتكوين الحكومة الواحدة الجامعة للشرق بالغرب والجنوب، وعندها فقط فالغالب أننا سنرى الثني جالسا في مكان غير ليبيا يتنعم بما استطاع أن يتحصل عليه نظير بقائه في مكانه لأكثر من ست سنوات.

إسلام النويصري