المظاهرات السلمية حق دستوري للشعب الليبي، كما أن الاحترافية في التعامل مع الخروقات الأمنية ركن أساسي، ولا يصح التعامل مع الشغب بعشوائية؛ وهنا يكمن الدور الذي يجب أن يتاح لوزاوة الداخلية بحيث تنضبط الأوضاع الأمنية داخل العاصمة، ولكن لابد من مظلة المجلس الرئاسي لكي لا تعمل الوزارة وكأنها حكومة فهي مفوضة من الرئاسي ولابد لها من العمل وفقا لتفويضها.

هناك بالتأكيد ارتباك في البلاد كلها، فما من جهة ولا قوة يمكنها أن تحتوي كل هذه التعارضات في الرؤى، ومن المتعذر حاليا ضبط الصلاحيات المتداخلة بين الجهات والأجهزة العديدة التي لم تنسجم مع بعضها بعد نظرا لحداثة تكوينها في وسط حكومي لا يزال مائعا، علاوة على عدم توفر خبرة وتجربة لأغلب رؤساء تلك المؤسسات التي نشأت غالبا بقرارات استثنائية وتعييناتها لا تحكمها معيارية منضبطة، وأغلبهم أتى وتحمله الجهوية أوالواسطة أو الثقة الشخصية، فإن وجد مسئول كفء فهذا حسن طالع، وإن كان عاجزا أو فاسدا فهذا نتاج لغياب الحوكمة الرشيدة ولكل عشوائية ثمنها.

هل يمكننا أن نعول على وعي الجمهور بمخاطر تسخين الشارع وتحكيمه بين الشركاء المتخاصمين؟

لا أحد يملك الإجابة الدقيقة، ولكن من المسلم به أنه لا توجد طريقة حاسمة لضبط الأوضاع في أي بلاد يعيش فيها شعب ما، إلا في اللجوء إلى الدولة وسطوتها ويبقى الخيار للشعب في اختيار من يقود هذه الدولة وإمكانية محاسبته دستوريا.

نحن الآن نعاني ما نعانيه لكثير من الأسباب ولكن أهمها هو غياب الدستور الحاكم؛ فالإعلان الدستوري عاجز عن تغطية كل الجوانب كما هو معلوم، وبما أن الخضم الحالي يمنع الاستفتاء على مشروع الدستور الليبي الذي أنجزته الهيئة التأسيسية المنتخبة، وبما أن الجمهور المتظاهر يريد حلولا عاجلة للتدهور المعيشي الحالي، إذن لا مفر من استخدام الأدوات التنفيذية الحالية لتحقيق مطالب الجمهور العريض.

لذلك وكما يقال إن السياسة هي فن الممكن، فالممكن حاليا هو تفعيل الدور الرقابي والمحاسبي والقضائي لمنع تغول الفساد، ثم إحداث تعديل وزاري للوزارات الخدمية وإنشاء وزارة للطاقة الكهربائية بشكل خاص؛ ومن نافلة القول، إن التعيين يكون وفقا للكفاءة ولكن مع توسيع المشاركة الجعرافية ما أمكن، لتخفيف التوتر القائم.

من أهم خطوات تحسين الخدمات الاستعانة بالخبرات الدولية واتخاذ إجراءات أمنية عاجلة لتأمين الشركات الأجنبية حال عودتها.

التغييرات يجب أن تشمل المؤسسات السيادية أيضا وليس الوزارات فحسب، فما من حكومة يمكنها أن تعمل دون انسجام مع تلك المؤسسات وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي.

وأخيرا في ظل وجود وباء كورونا أنصح كل الراغبين في التظاهر بالبحث عن وسائل آمنة للتعبير عن آرائهم.

السنوسي إسماعيل