قال أحد شعراء الجنوب ذات يوم مادحا الحال ومعبرا عن حجم الرخاء والنعمة التي يتنعم بها ساكنو الجنوب في ظل سيطرة حفتر: نحن النفطُ.. والغازُ.. والمعادنُ.. لن نرضى إلا بالمشير..

 أبيات ليس لها بصناعة الشعر صلة، إلا أنها تشير بوضوح لفضل المشير الذي ملأ الدنيا بخيره، وانتشل أهل الجنوب من شظف العيش وبؤس الحياة بينما كانوا في غياهب المجهول ومعاناة تهميش الحكومات المتعاقبة سنين طويلة.

 كما يتزامن هذا مع الأخبار المفرحة التي تزفها قناة ولد صاحب الجيش بلا ملل عن توالي الانتصارات التاريخية التي يسطرها الجيش العربي ضد مليشيات السراج في طرابلس.

 لم تستوقفني هذه الأبيات التي تصف واقعا ملائكيا لم يره أحد من العالمين، إلا أن هذا التمسح والشكر الجزيل لفضل المشير لم يمنع أن يصل سعر غاز الطهو إلى 300 دينار وهو رقم غير مسبوق في تاريخ بورصة السوق السوداء التي انتعشت بفضل الجنرال، ولا الوقود الذي أصبح وصوله إلى المنطقة عيدا يحتفل به أيما احتفال.

لا أريد أن أفسد على الرجل فرحته التي عبر عنها بهجاء يذم فيه كل من أبدى نوعا من الكفر بهذه النعمة أو حتى مجرد التحفظ على عدم وصولها باستمرار، لكن ليعذرني عمي الشاعر الكبير على التطفل بذكر بعض الحقائق وله أن يسميها أكاذيب إن شاء.

لكن منذ أن وطئت أقدام طلائع الجيش العربي الجنوب الليبي في أواسط يناير من العام الماضي لم نر أية تحسن في أوضاع الجنوب من كل النواحي سواء كانت معيشة أو تحسنا أمنيا.

نعم لم نر سوى التلاعب بقوت الكادحين وسرقة آمالهم ومستقبل أولادهم عبر تغذية تجار الأزمات، وتشجيعهم في جلد ظهر المواطن والتضييق عليه، أما المشاكل الأمنية والإنسانية في الجنوب فهي قصة آلام أخرى لا تنتهي بسبب مروجي حروب الولاءات التي يشعل نارها مقربو الجنرال الساعي للسلطة بقوة السلاح وبأي ثمن.

 كما لم يفرّط في استخدام الورقة الوحيدة الرابحة لديه في الجنوب، وهي ورقة الشروخ الاجتماعي باستخدام لفيف من الأتباع بغير إحسان الذين يتعاملون مع كل من يختلف معهم بمنطق فوهات المدافع والاغتيالات والسطو المسلح والجريمة المنظمة التي تعلو كل اللغات الأخرى على حساب النسيج الاجتماعي والحوار المجتمعي.

أما البلديات فأغلبها موجود بالاسم فقط وقد أجبرها منطق العنجهية إلى الخضوع هي الأخرى لخدمة شعارات الجيش بعيدا عن هموم المواطن، ويبقى انعدام أي خدمات تذكر هو القاسم المشترك الوحيد بين تلك البلديات.

أما بلقاسم الأبعج الذي يتعامل مع سكان الجنوب كما لو أنه حاكم إنجليزي لا حد مستعمرات أفريقيا لا يهمه إلا سماع جملة نحن مع الجيش والقيادة العامة وتلك الولائم التي تقام له في الهواء الطلق بعيدا عن أخبار نبوا غاز ما فيش بنزين نبي علاج…الخ. والتي عادة ما يطالب بعد بإرسال مزيدا من أبناء الجنوب للتهلكة جنوب طرابلس

 هذه الصورة القاتمة ليست جزءا من المؤامرة الكونية ضد الجيش الوهم هذا  كما تسوق دكاكين حفتر التي يسميها زورا إعلاما ولا حملة البكاء التي كان يطلقها بعض أهالي الجنوب كل ما وقعت بهم نازلة ثم يسكتوا بعدها

 بقدر ما هي سرد لوقائع حقيقية تشمل جميعها واقع الجنوب منذ سنوات، وتزداد بشكل تصاعدي كل يوم رغم كل الشعارات التي تحاول إثبات عكس ذلك عبر رسم واقع مزيف من قبل رجال التطبيل .

ولا يزال الجنوب يفتقر إلى أبسط أسياسيات العيش الكريم ولم يزده قائد العدوان على طرابلس إلا بؤسا وحرمان ناهيك عن تقسيم أهله وجعلهم أعداء بعضهم دون أية أسباب منطقية بل أصبحوا يتسابقون إلى تقديم إخوتهم من الرضاعة كقربان له ليزج بهم في أتون السجون وذنبهم الوحيد أنهم لم يسبحوا بحمد حفتر.

 لقد ساق هذا النهج العديد من الأبرياء الى زنازين قرنادا بنفس ظلم ذوي القربى الذي وقع على سهام سرقيوة في منزلها الآمن، وداخل أرض خاضعة لسطوة ونفوذ الجنرال.

إن هذا المنطق ليس غريبا في زمن المستبد فهو يتحكم في كل تفاصيل المجتمع؛ كلماتهم آراؤهم تصرفاتهم اختياراتهم كل ذلك يخضع لمراقبة دقيقة من قبل أجهزة المستبد الذي يطمح إلى وضع كعب رجله على أعناق جميع الليبيين وإعادتهم إلى حظيرة السمع والطاعة بأسس جديدة متينة تبقيه يتحكم هو وبنيه في شؤون الاستبداد أبد الآبدين.

 لم ترتكب سهام أية جريمة ولا تسعى إلى ارتكابها في الغالب، فقط ذنبها الوحيد أنها عبرت عن تأييدها لحقن شلال الدم الذي تسبب به حفتر.

لكنها نست أن التعبير عن الرأي جريمة لن تمر دون عقاب في زمن المستبد، وخطيئة يمكن أن تكلف أشهرا من الإخفاء القسري أو الموت ربما حيث لا يوجد ما يؤكد خلاف ذلك

ولم تشفع لسرقيوة صفتها ولا حصانتها البرلمانية فهي تمثل الليبيين في عرف الديمقراطية ويفترض أن تقام احتجاجات شعبية من أجل معرفة مصيرها لكن ذلك ليس متاحا أيضا فإن تلك المنطقة قطعت منذ سنوات صلتها بحرية الرأي والتعبير ورفع الصوت.

موسى تيهو ساي