“ابتعدوا إلى الخلف” .. وصفة سطحية لحل مشاكل ليبيا نغمة جديدة قديمة يدندن عليها بعض الأصوات التي قفزت على صف الثورة، والتي أمست تطل علينا من خارج ليبيا ممن لم تتبث لهن قدم حتى الان ولم يقدموا شئ ومع ذلك فهم بكل صفاقة يتجرأون على توزيع صكوك الوطنية وفبراير مثل المدعو المجبري وقطيط وغيرهم، بمحاولتهم تسويق تشخيص سطحي لمشكلة ليبيا ودول ثورات الربيع العربي؛ فالمشكلة بحسب عبقريتهم هي الإسلام السياسي، والوصفة السحرية طبعا لحل كل مشاكل بلادنا هي أن يرجع حزب العدالة والبناء خطوات إلى الخلف “في هذه المرحلة على الأقل” كما يقولون، متصورين بأن أبواب الاستقرار والديموقراطية بعد ذلك ستفتح على مصراعيها أمام شعوب المنطقة، وستتوقف التدخلات الإقليمية وتنتهي المؤامرات على ليبيا وغيرها ويعم الأمن والاستقرار .

لا يدرك هؤلاء وغيرهم أن المؤامرة تستهدف القضاء على نواة أي تجربة ديموقراطية في المنطقة بل في أي دولة مسلمة الهوية، فالمجبري الذي يقدم في نفسه مؤرخ تاريخي على سبيل المثال يطل علينا عبر صفحته في فيسبوك من حين لآخر بفيديوهات قصيرة لا تكشف أي عمق ولا سعة اطلاع، والذي كسب بها بعض المتابعين، يقدم نفسه متابعا للشأن الليبي من إقامته المريحة بقطر، بعيدا عن الحرب والتضحيات ومواجهة كل المؤامرات على شعب ليبيا، موهما نفسه بأنه يقدم بعض الجهد، ولا ينفك ينصح من يصنفهم بالإسلاميين بأن يأخذوا خطوات للخلف ويقدموا الوطنيين بزعمه، وكأنه الوصي على الوطن، في فصل تعسفي سادج بين الوطنية والانتماءالحزبي وهو ايضا يروجلشخصيات مشبوهة .

ربما نسى ذاك العبقري أن تلك المؤامرات تستهدف ضرب أي مساعي لتحقيق الديمقراطية وامتلاك الشعوب قرارها، ولم تسلم من ذلك حتى تركيا لولا أن اشتد عودها في ظروف تختلف وفي غفلة من المؤامرات المعاصرة، ولنا أن نستعرض ما حدث في دول سيطر عليها العسكر بنفس الحجة ، فهل تمت إقامة دولة مدنية؟ هل سمحوا لهم بأن يفتحوا أفواههم بكلمة؟ إنهم الآن بين سجين وطريد، ومع ذلك للأسف لا زلنا نسمع من ينجر ويصدر هذه التفسيرات رغم جلاء الأمر.

سوف يرد عليك أمثال المجبري وقطيط وزيدهم السويحلي وغيرهم قائلين “ولكن أعداء الربيع العربي يقولون نحن مشكلتنا فقط مع الإسلام السياسي”، وهنا أقول: هل تتصور بأن يقولوا لك ولأمثالك في إعلامهم بأنهم يحاربون الديموقراطية ولا يريدون لشعوبنا أن تقيم نظاما ديموقراطيا راشدا وتمتلك إرادتها وتستقل بثرواتها واقتصادها؟ هل تتصور أن يقولو بأنهم يريدون لدولنا أن تبقى متخلفة وأنهم سيخسرون بنهضتها استمرارنا كبقرة حلوب تصدر الخام وتستورد ما نصنع وعلى رأسه السلاح؟ أم تتوقع أن يعلنوا لك صراحة “نحن نحارب الإسلام كدين ومشكلتنا معه”؟ فهذه أيضا سذاجة .

ربما يرد المجبري وأمثاله قائلين: “نحن نعلم هذا ولكن مدبرو المؤامرات يحتجون بوجود الإسلاميين في الصورة، وأنتم من أجل الوطن خذوا خطوة الى الخلف إلى أن نقيم الدولة ونحقق الاستقرار، ثم بعد ذلك مرحب بكم”!، وهو استدلال دائري متهافت، فالمؤامرة ببساطة هي في الأصل ضد الديموقراطية، و كل من يتصدر المشهد سوف يتم اتهامه بنفس الشماعة وهي الإسلام السياسي، وهذا ما يفسر اتهام كل شخصية وطنية غير منحرفة بأنها إسلامية، ويتم اتهام أي حزب مهما كانت مبادئه القائم عليها وممارساته الداعمة للمسار السلمي الديموقراطي بأنه إخواني أو يدور في فلكهم، مثل ما يقال عن حزب العدالة والبناء زورا، لأنه حزب يدور في فلك الوطن وهويته الإسلامية فقط. ثم نقول للمجبري وأمثاله السطحيين أن تيار ثورة فبراير العريض للأسف تيار أفقي غير مؤطر، ويحتاج دائما إلى جهد مؤسسي للدفاع عنه سياسيا وإعلاميا، ويحتاج إلى شبكة علاقات دولية داعمة وتخطيط وقدرة على مواجهة هذه السلسلة من المؤامرات التي تحاك لثورة فبراير على كل المستويات، وقد كان حزب العدالة والبناء سدا منيعا لمواجهة كل المؤامرات التي لم تتوقف منذ البداية، وكان خلالها الفاعل الأساسي في مواجهتها.

وانظر إن شئت إلى سهام الأعداء وخصوم فبراير من كل مكان لمن هي متوجهة، ولو كنا قد أخذنا بنصيحة المجبري وقبله قطيط وغيرهم وأخد حزب العدالة خطوة للخلف فهل يوجد أي كتلة سياسية صلبة متماسكة تسد مكان الحزب ولديها القدرة والكوادر والإمكانيات وشبكة العلاقات والتأثير؟ وتدافع عن فبراير وتمتلك مشروعا للدولة المدنية وتجمع شتات تيار الثورة العريض وتضمن ألا تضيع تضحيات الشهداء؟ قل لي من؟

هل حزب التحالف مازال موجودا ويقوم بدوره، أم حزب الاتحاد من أجل السويحلي عندما خرج على الاعلام وتولى كبر هذا الطرح بدوافع الخصومة وبعد أن غرر به المدعو شابه أحد انصار النظام الجماهيري ووعده بأن مصر سوف تتلقف تصريحاته وبذلك يقود هذا المشروع وجمع الناس في مصراتة لغاية اخرى وعندما حاول تمرير فكرته طرد شر طردة مع كامل احترامنا لجهود كل الأحزاب والتجمعات المدنية الأخرى التي تقوم بجهودها ولكنها لا تكفي لمواجهة هذه المؤامرات. أم أنك تتوقع أن تحقق ذلك من خلال هذه الإطلالات أنت وامثالك من خارج الحدود؟ مع احترامنا لكل جهد يبني ولا يهدم.

نحن لم نبرح الأرض وقياداتنا معنا داخل ليبيا، ونعمل بطريقة قانونية ونواجه مع شعبنا الليبي كل المؤامرات ونقدم جهودنا على كل المستويات بما نستطيع، ونتحمل كل الظروف الصعبة وتوجه إلينا مع ذلك الانتقادات الواسعة التي نرحب بها، خاصة من طرف تيار الثورة الذي يقدم كل التضحيات من أجل ليبيا ولن نتراجع عن دعم المسار السلمي الديموقراطي القائم على الاحزاب ومن يعترض على توجهاتنا فلا يصوت لنا فالحاكم هو الصندوق.

مستشار رئيس حزب العدالة والبناء للعلاقات “عمر رحومة